محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في تأويل قوله تعالى ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ . . . فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً يقول تعالى ذكره : هذا الذي بينا لك يا محمد من الأخلاق الجميلة التي أمرناك بجميلها ، ونهيناك عن قبيحها مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ يقول : من الحكمة التي أوحيناها إليك في كتابنا هذا ، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ قال : القرآن . وقد بينا معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً يقول : ولا تجعل مع الله شريكا في عبادتك ، فتلقى في جهنم ملوما تلومك نفسك وعارفوك من الناس مَدْحُوراً يقول : مبعدا مقصيا في النار ، ولكن أخلص العبادة لله الواحد القهار ، فتنجو من عذابه . وبنحو الذي قلنا في قوله مَلُوماً مَدْحُوراً قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : مَلُوماً مَدْحُوراً يقول : مطرودا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مَلُوماً مَدْحُوراً قال : ملوما في عبادة الله ، مدحورا في النار . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً يقول تعالى ذكره للذين قالوا من مشركي العرب : الملائكة بنات الله أَ فَأَصْفاكُمْ أيها الناس رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ يقول : أفخصكم ربكم بالذكور من الأولاد وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم ، بل تئدونهن ، وتقتلونهن ، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفرية على الله ما ذكرنا : إنكم أيها الناس لتقولون بقيلكم : الملائكة بنات الله ، قولا عظيما ، وتفترون على الله فرية منكم . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا محمد ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً قال : قالت اليهود : الملائكة بنات الله . القول في تأويل قول تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لهؤلاء المشركين المفترين على الله فِي هذَا الْقُرْآنِ العبر والآيات والحجج ، وضربنا لهم فيه الأمثال ، وحذرناهم فيه وأنذرناهم لِيَذَّكَّرُوا يقول : ليتذكروا تلك الحجج عليهم ، فيعقلوا خطأ ما هم عليه مقيمون ، ويعتبروا بالعبر ، فيتعظوا بها ، وينيبوا من جهالتهم ، فما يعتبرون بها ، ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر ، وما يزيدهم تذكيرنا إياهم إِلَّا نُفُوراً يقول : إلا ذهابا عن الحق ، وبعدا منه وهربا . والنفور في هذا الموضع مصدر من قولهم : نفر فلان من هذا الأمر ينفر منه نفرا ونفورا . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر : لو كان الأمر كما تقولون : من أن معه آلهة ، وليس ذلك كما تقولون ، إذن لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم ، والتمست الزلفة إليه ، والمرتبة منه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا يقول : لو كان معه آلهة إذن لعرفوا فضله ومرتبته ومنزلته عليهم ، فابتغوا ما يقربهم إليه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قال : لابتغوا القرب إليه ، مع أنه ليس